ابن تيميه

60

الرد على الأخنائي قاضي المالكية

ولهذا جاءت سنته بأن لا يزار قبره كما تزار القبور ؛ لعظم قدره وحقّه كما بينا . وأما من زار قبره أو قبر غيره ليشرك به ويدعوه من دون اللّه فهذا حرام كله ، وهو مع كونه شركا باللّه فهو ترك لما يجب من حقه صلى اللّه عليه وسلّم وطلب منه ما ليس إليه بل إلى اللّه ، وأين من يطيعه ويعينه على ما أمر اللّه به ويقوم بما يجب عليه من حقه ممن يقصّر في حقه وطاعته وإعانته ، ويقصر في عبادة اللّه وتوحيده ودعائه ، ويكلّف المخلوق بما لا يقدر عليه إلا الخالق سبحانه وتعالى ، فيؤذيه بذلك ويؤذي اللّه بالشرك به ؟ وقد قال النبي صلى اللّه عليه وسلّم في الحديث الصحيح : « ما أحد أصبر على أذّى يسمعه من اللّه ، يجعلون له ندّا وشريكا وهو يعافيهم ويرزقهم » « 1 » . وقد قال تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً [ الأحزاب : 56 ] فهذا حقّه صلى اللّه عليه وسلّم . وقال تعالى : إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ [ الأحزاب : 57 ] الآية . [ المقصود الشرعي من زيارة القبور ] وأهل البدع والجهل يفعلون ما هو من جنس الأذى للّه ورسوله ، ويدعون ما أمر اللّه به من حقوقه وهم يظنّون أنهم يعظّمونه ؛ كما تفعل النصارى بالمسيح ، فيضلهم الشيطان كما أضل النصارى ، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا . والذين يزورون قبور الأنبياء والصالحين ويحجّون إليها ليدعوهم ويسألوهم ، أو ليعبدوهم ويدعوهم من دون اللّه ؛ هم مشركون . وهم إذا قالوا نحن نحبّهم ، فهم إن كانوا صادقين هم يحبونهم مع اللّه ، لا يحبونهم للّه كمحبة أهل الشرك للأنداد ، قال تعالى : وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْداداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ [ البقرة : 165 ] . والحب للّه ؛ أن يكون اللّه هو المحبوب لذاته ويحب أنبياءه لأنه يحبهم ، وعلامة محبتهم متابعتهم ، كما قال تعالى : قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ [ آل عمران : 31 ] فمن اتّبع الرسول فهو الذي يحبه اللّه ، وأما من قال إنه يحبه وإن غلا فيه وأشرك به ، إذا لم يتبعه فإن اللّه لا يحبه ، بل إذا خالفه أبغضه بحسب ذلك ، وَلِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمالَهُمْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ [ الأحقاف : 19 ] . وَما رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ [ فصلت : 46 ] . فالزيارة للقبور التي شرعها الرسول هي من جنس الصلاة على الجنائز ، سواء كان الداعي فاضلا أو مفضولا . فليس المقصود بها الخضوع للميت والتواضع له كما يقصد بتصديق الأنبياء وطاعتهم ، ولا شرعت لكون المزور ذا جاه عند اللّه ومنزلة ، بل هي مشروعة في حق كل مؤمن .

--> ( 1 ) أخرجه البخاري ( 6099 ) و ( 7378 ) ومسلم ( 2804 ) .